نديم البحر
10-03-2007, 03:02 AM
د.احسان الأمين
تتجه معظم دول العالم الثالث إلى «التحديث» في مدنيّتها وحياتها الاجتماعية ، والاتجاه السائد من تحديثها هو تطوير التصنيع وتنشيط حركة البناء والتجارة ، فيما لا زالت حركة التحديث في الزراعة متخلِّفة، وكذلك في الجوانب الفكرية والسياسية .
إلاّ أنّ هذه البلاد استوردت الكثير من العادات والتقاليد الغربية في الملبَس والمأكل ونمط العلاقات الاجتماعية قبل أن تستورد من الغرب المكائن والآلات والتكنولوجيا المتطوِّرة ، واتّجه أنصاف المثقّفين إلى التأ نّق والتخلّق بالتقليد الأعمى لبعض السلوكيات دون أن يأخذوا بأسباب التقدّم ويستفيدوا من تجارب الغرب الايجابية ويعتبروا باخفاقاته وأخطائه .
والسبب الرئيس في ذلك ، أنّ التأثير لم يكن في جوٍّ صحِّي ووضع متكافئ ، على الأقل من الناحية النفسية والفكرية ، بل نتج عن تأثّر الضعيف بالقوي ، واتِّباع الفقير للغني ، واستضعاف المريض أمام المتعافي ، فكانت عملية التأثّر بالنسق النازل ، من أعلى لأسفل ، فالعالم الثالث كان يئنّ من الجهل والفقر والمرض ، ذلك المثلّث المشؤوم ، الذي يؤهِّله للاستضعاف ويجعل عنده القابلية للاستعمار والاستعباد .()
ولم تكن عملية التفاعل انتقائية أو اختيارية وبوعي وقصد ، لكي يأخذ الانسان أو المجتمع ما يفيده وينفعه ، بل غالباً ما كانت سطحية وقشرية تأخذ بالظواهر دون الجواهر ، فهي تتجه إلى تحسين صورة الواقع ، ولا تنفذ إلى أعماق التجربة الغربية لتأخذ منها أساليب العمل ونظم الإدارة ونقاط الانطلاق ومنافذ الابداع التي تفتح أمام العلم الآفاق ، وتأخذ بالمجتمع نحو التقدّم والازدهار المدنيّ ...
كما إنّ عملية نقل العلم والنظم والتكنولوجيا كانت محدودة وقاصرة ، لأنّ المستعمر القوي لم يكن يشأ لهذه البلاد «المتخلِّفة» أن تأخذ بأسباب القوّة وأن تسير بخطى النهضة ، وإنّما كان التغيير والتطوير في مجالات الاستهلاك لغرض توسعة أسواق السلع الغربية ، وفي تقديم بعض الخدمات الصحية والاجتماعية المحدودة والتي تجعل من هذه الشعوب راضية ومَدينة للغرب المنقذ دوماً .
وغالباً ما تتجه ميزانيات هذه الدول «النامية» إلى التسلّح وتقوية البنى العسكرية حفاظاً على أنظمتها التي لا تستند إلى رأي الشعب وحمايته ، ولأ نّها دوماً في صراعات مع هذا الجار أو ذاك بسبب بؤر توتّر زرعها المستعمرون هدية متفجرة منهم إلى شعوب المنطقة ، لترجع بهم إلى الوراء في حرب واحدة ما تقدّموا ـ إن كانوا قد تقدّموا ـ في عشرات السنين ، ولتبقى يدهم السفلى باستمرار ، يستعينون بـ «الأجنبي» لحلِّ خلافاتهـم المحليـة ، ويبقى وجود «السيِّد الأبيض القوي» مصدر أمن وأمان لشعوب المنطقة .. !!
ولذا فإنّنا نجد الموضة الفرنسية في المأكل والملبَس تصل بلادنا قبل أن تصلها مبادئ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الانسان وتجربة الديمقراطية فيها ، بعشرات السنين .
كما إنّ الكثير من الأوضاع الاجتماعية المتفسِّخة انتقلت أو نُقِلت إلى بلادنا قبل أن تنتقل التكنولوجيا أو التنظيم المدني ، أو الازدهار المعيشي والرفاه الاقتصادي .
ومن هذه الأوضاع ، ما يخصّ الأسرة : الرجل والمرأة ، على السواء ، لذا فإنّ آثار «الحداثة» في هذا الميدان أصابت مجتمعاتنا ، وعملت على تهديد واقع الأسرة وحملت معها الفساد : الخمر والبغاء والأجواء المنحرفة ، وهي تهدِّد سلامة الانسان في بعض المجتمعات ، إن لم تكن قد قضت فعلاً على قطاعات كبيرة منها بالموت روحياً ، أو جسدياً .
وتلك بعض أخبار هذا «الزحف المقدّس» :
ـفي جنوب أفريقيا ، البلد الأفريقي الأكثر حداثة ، والذي بُني بإشراف الرجل الأبيض ، يُسجِّل أحد أعلى نسب الإصابة بالإيدز في العالم .
ـ وفي الصين ، تقول منظمة اليونيسيف أ نّه يمكن أن تسجّل فيها عشرة ملايين إصابة خلال السنوات العشرة القادمة ـ عندما يكون الانفتاح قد آتى ثماره ـ .
ـ وتشير احصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أ نّه حتى نهاية العام الماضي ، وصل عدد المصابين بفيروس مرض الإيدز في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى ما يزيد عن 336000 شخص ، منهم 42000 امرأة ، وتوفِّي بنفس السبب 13000 شخص تاركين وراءهم حوالي 15000 طفل يتيم ... (مبروك للفضائيات العربية) () .
ـ وفي حديث لوزيرة التنمية الاجتماعية والوحدة الوطنية الماليزية حول أوضاع الأسرة في القرن الحادي والعشرين ، تقول : إنّ المشاكل الاجتماعية والعائلية في ازدياد مضطرد في الأعوام الأخيرة ، وأنّ عمل الوالدين ، وعدم اهتمامهم بأولادهم وبالتالي عدم استفادتهم من التعاليم الأخلاقية والدينية هو السبب الرئيس وراء فرار الفتيان من منازلهم وتعرّضهم لأنواع المشاكل الاجتماعية .
كما إنّ نموّ السياحة وعرض الأفلام المبتذلة الغربية ، وعلى الخصوص الأميركية ، هي من الأسباب الأخرى لخلق الاضطراب الاجتماعي في هذا البلد .
ـ وفي الأردن : أظهرت احصاءات ترصد شؤون الزواج ، أنّ ظاهرة العنوسة آخِذَة في التفاقم في المجتمع الأردني .. وارتفع متوسِّط العمر عند الزواج الأوّل من 20 عاماً للذكور عام 1961 إلى 8ر28 عاماً عام 1998 ، ومن 6ر17 عاماً للإناث إلى 25 عاماً ... وقد أرجعت أسباب ذلك إلى المغالاة في طلب المهور ، وتنامي مستويات البطالة بين الشباب ، وتصاعد إيجارات المساكن وارتفاع الأثاث .
إنّ هذه الأوضاع المأساوية ، تتطلّب من جميع المهتمِّين بالانسان ، في بلادنا ، دولاً وشعوباً ، منظمات إنسانية واجتماعية أو أحزاباً سياسية ، معاهد علمية أو جامعات وغيرها إلى أن تخصِّص متّسعاً من اهتماماتها ووقتها وبحوثها لدراسة أوضاع المجتمع وسُبل تطويره ومعالجة الظواهر المرضية الخطرة ، وتعيين خطط للوقاية من أوبئة «الغرب» قبل حدوث «الفاجعة» وفوات الأوان .
وقد آنَ الأوان لدولنا وشعوبنا أن تمتلك الإرادة والوعي اللاّزمين لانتخاب طريق الحياة والتخطيط لمستقبلها وتعيين برامج التنمية المناسبة لعقيدتها ومبادئها وأخلاقها ، والتي تضـمن لها التقدّم المدنيّ والعلميّ ، في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على شخصيتها الانسانية والوطنية .
ولم يعد الزمن يتحرّك ببطء، ولا التغيير ينتظرنا حتى نصحو، ولا المخاطر والأمراض المتسارعة تمهلنا حتى نستيقظ من رقدتنا ونستفيق من سباتنا ، فإنّ العالم اليوم كما يقولون قرية ، تنتقل فيه أمواج الفكر والثقافة ونوبات الموضة والسلوك بلحظات ..
ولا يمكن أيضاً لمجتمع أن يغلق نوافذه ويحكم أبوابه ، ليمنع حركة الحداثة من ولوج حصـونه ، إلاّ أن يخنق المجتمع ذاك نفسه ويموت ، وإنّما يتطلّب الأمر وضع الخطط اللاّزمة لتنمية المجتمع وتحديثه باختيار وطواعية وانتخاب واع ومدروس ، فليس كل ما في الغـرب عورة وسوءاً ، ففيه الكثير ممّا نحتاجه ، وعندهم بعض ما يساهم في نهضتنا ، ولكن ليس كذلك كل ما عندهم من جديد مفيداً وصحيحاً ، بل أنّ هناك الشيء الكثير الذي يألمون منه ويرفضونه هم قبل أن نقبله أو نرفضه .
دمتم في حفظ الله
تتجه معظم دول العالم الثالث إلى «التحديث» في مدنيّتها وحياتها الاجتماعية ، والاتجاه السائد من تحديثها هو تطوير التصنيع وتنشيط حركة البناء والتجارة ، فيما لا زالت حركة التحديث في الزراعة متخلِّفة، وكذلك في الجوانب الفكرية والسياسية .
إلاّ أنّ هذه البلاد استوردت الكثير من العادات والتقاليد الغربية في الملبَس والمأكل ونمط العلاقات الاجتماعية قبل أن تستورد من الغرب المكائن والآلات والتكنولوجيا المتطوِّرة ، واتّجه أنصاف المثقّفين إلى التأ نّق والتخلّق بالتقليد الأعمى لبعض السلوكيات دون أن يأخذوا بأسباب التقدّم ويستفيدوا من تجارب الغرب الايجابية ويعتبروا باخفاقاته وأخطائه .
والسبب الرئيس في ذلك ، أنّ التأثير لم يكن في جوٍّ صحِّي ووضع متكافئ ، على الأقل من الناحية النفسية والفكرية ، بل نتج عن تأثّر الضعيف بالقوي ، واتِّباع الفقير للغني ، واستضعاف المريض أمام المتعافي ، فكانت عملية التأثّر بالنسق النازل ، من أعلى لأسفل ، فالعالم الثالث كان يئنّ من الجهل والفقر والمرض ، ذلك المثلّث المشؤوم ، الذي يؤهِّله للاستضعاف ويجعل عنده القابلية للاستعمار والاستعباد .()
ولم تكن عملية التفاعل انتقائية أو اختيارية وبوعي وقصد ، لكي يأخذ الانسان أو المجتمع ما يفيده وينفعه ، بل غالباً ما كانت سطحية وقشرية تأخذ بالظواهر دون الجواهر ، فهي تتجه إلى تحسين صورة الواقع ، ولا تنفذ إلى أعماق التجربة الغربية لتأخذ منها أساليب العمل ونظم الإدارة ونقاط الانطلاق ومنافذ الابداع التي تفتح أمام العلم الآفاق ، وتأخذ بالمجتمع نحو التقدّم والازدهار المدنيّ ...
كما إنّ عملية نقل العلم والنظم والتكنولوجيا كانت محدودة وقاصرة ، لأنّ المستعمر القوي لم يكن يشأ لهذه البلاد «المتخلِّفة» أن تأخذ بأسباب القوّة وأن تسير بخطى النهضة ، وإنّما كان التغيير والتطوير في مجالات الاستهلاك لغرض توسعة أسواق السلع الغربية ، وفي تقديم بعض الخدمات الصحية والاجتماعية المحدودة والتي تجعل من هذه الشعوب راضية ومَدينة للغرب المنقذ دوماً .
وغالباً ما تتجه ميزانيات هذه الدول «النامية» إلى التسلّح وتقوية البنى العسكرية حفاظاً على أنظمتها التي لا تستند إلى رأي الشعب وحمايته ، ولأ نّها دوماً في صراعات مع هذا الجار أو ذاك بسبب بؤر توتّر زرعها المستعمرون هدية متفجرة منهم إلى شعوب المنطقة ، لترجع بهم إلى الوراء في حرب واحدة ما تقدّموا ـ إن كانوا قد تقدّموا ـ في عشرات السنين ، ولتبقى يدهم السفلى باستمرار ، يستعينون بـ «الأجنبي» لحلِّ خلافاتهـم المحليـة ، ويبقى وجود «السيِّد الأبيض القوي» مصدر أمن وأمان لشعوب المنطقة .. !!
ولذا فإنّنا نجد الموضة الفرنسية في المأكل والملبَس تصل بلادنا قبل أن تصلها مبادئ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الانسان وتجربة الديمقراطية فيها ، بعشرات السنين .
كما إنّ الكثير من الأوضاع الاجتماعية المتفسِّخة انتقلت أو نُقِلت إلى بلادنا قبل أن تنتقل التكنولوجيا أو التنظيم المدني ، أو الازدهار المعيشي والرفاه الاقتصادي .
ومن هذه الأوضاع ، ما يخصّ الأسرة : الرجل والمرأة ، على السواء ، لذا فإنّ آثار «الحداثة» في هذا الميدان أصابت مجتمعاتنا ، وعملت على تهديد واقع الأسرة وحملت معها الفساد : الخمر والبغاء والأجواء المنحرفة ، وهي تهدِّد سلامة الانسان في بعض المجتمعات ، إن لم تكن قد قضت فعلاً على قطاعات كبيرة منها بالموت روحياً ، أو جسدياً .
وتلك بعض أخبار هذا «الزحف المقدّس» :
ـفي جنوب أفريقيا ، البلد الأفريقي الأكثر حداثة ، والذي بُني بإشراف الرجل الأبيض ، يُسجِّل أحد أعلى نسب الإصابة بالإيدز في العالم .
ـ وفي الصين ، تقول منظمة اليونيسيف أ نّه يمكن أن تسجّل فيها عشرة ملايين إصابة خلال السنوات العشرة القادمة ـ عندما يكون الانفتاح قد آتى ثماره ـ .
ـ وتشير احصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أ نّه حتى نهاية العام الماضي ، وصل عدد المصابين بفيروس مرض الإيدز في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى ما يزيد عن 336000 شخص ، منهم 42000 امرأة ، وتوفِّي بنفس السبب 13000 شخص تاركين وراءهم حوالي 15000 طفل يتيم ... (مبروك للفضائيات العربية) () .
ـ وفي حديث لوزيرة التنمية الاجتماعية والوحدة الوطنية الماليزية حول أوضاع الأسرة في القرن الحادي والعشرين ، تقول : إنّ المشاكل الاجتماعية والعائلية في ازدياد مضطرد في الأعوام الأخيرة ، وأنّ عمل الوالدين ، وعدم اهتمامهم بأولادهم وبالتالي عدم استفادتهم من التعاليم الأخلاقية والدينية هو السبب الرئيس وراء فرار الفتيان من منازلهم وتعرّضهم لأنواع المشاكل الاجتماعية .
كما إنّ نموّ السياحة وعرض الأفلام المبتذلة الغربية ، وعلى الخصوص الأميركية ، هي من الأسباب الأخرى لخلق الاضطراب الاجتماعي في هذا البلد .
ـ وفي الأردن : أظهرت احصاءات ترصد شؤون الزواج ، أنّ ظاهرة العنوسة آخِذَة في التفاقم في المجتمع الأردني .. وارتفع متوسِّط العمر عند الزواج الأوّل من 20 عاماً للذكور عام 1961 إلى 8ر28 عاماً عام 1998 ، ومن 6ر17 عاماً للإناث إلى 25 عاماً ... وقد أرجعت أسباب ذلك إلى المغالاة في طلب المهور ، وتنامي مستويات البطالة بين الشباب ، وتصاعد إيجارات المساكن وارتفاع الأثاث .
إنّ هذه الأوضاع المأساوية ، تتطلّب من جميع المهتمِّين بالانسان ، في بلادنا ، دولاً وشعوباً ، منظمات إنسانية واجتماعية أو أحزاباً سياسية ، معاهد علمية أو جامعات وغيرها إلى أن تخصِّص متّسعاً من اهتماماتها ووقتها وبحوثها لدراسة أوضاع المجتمع وسُبل تطويره ومعالجة الظواهر المرضية الخطرة ، وتعيين خطط للوقاية من أوبئة «الغرب» قبل حدوث «الفاجعة» وفوات الأوان .
وقد آنَ الأوان لدولنا وشعوبنا أن تمتلك الإرادة والوعي اللاّزمين لانتخاب طريق الحياة والتخطيط لمستقبلها وتعيين برامج التنمية المناسبة لعقيدتها ومبادئها وأخلاقها ، والتي تضـمن لها التقدّم المدنيّ والعلميّ ، في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على شخصيتها الانسانية والوطنية .
ولم يعد الزمن يتحرّك ببطء، ولا التغيير ينتظرنا حتى نصحو، ولا المخاطر والأمراض المتسارعة تمهلنا حتى نستيقظ من رقدتنا ونستفيق من سباتنا ، فإنّ العالم اليوم كما يقولون قرية ، تنتقل فيه أمواج الفكر والثقافة ونوبات الموضة والسلوك بلحظات ..
ولا يمكن أيضاً لمجتمع أن يغلق نوافذه ويحكم أبوابه ، ليمنع حركة الحداثة من ولوج حصـونه ، إلاّ أن يخنق المجتمع ذاك نفسه ويموت ، وإنّما يتطلّب الأمر وضع الخطط اللاّزمة لتنمية المجتمع وتحديثه باختيار وطواعية وانتخاب واع ومدروس ، فليس كل ما في الغـرب عورة وسوءاً ، ففيه الكثير ممّا نحتاجه ، وعندهم بعض ما يساهم في نهضتنا ، ولكن ليس كذلك كل ما عندهم من جديد مفيداً وصحيحاً ، بل أنّ هناك الشيء الكثير الذي يألمون منه ويرفضونه هم قبل أن نقبله أو نرفضه .
دمتم في حفظ الله