المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصتان قصيرتان


wafaa22
17-07-2007, 04:42 PM
رسالة من مهجر
كنت أعيش انا وعائلتى (زوجتى وثلاثة أطفال) فى ضاحية من ضواحى بغداد وأملك مخبزا يدر علينا واردا لا بأس به، ويعمل معى أربعة عمال، وكل منهم رب اسرة.
وبدأنا نعانى مثل كل العراقيون من انقطاع التيار الكهربائي وشحة الغاز والبانزين (البترول)، ونتيجة لذلك بدأت الأرباح تنخفض والخسائر ترتفع. اضطررت لصرف أحد ،العمال وبعد شهر صرفت الثانى. كنت حزينا جدا لاضطرارى الى صرفهما.
فى أحد الأيام حضر أشخاص ملتحون عابسون الى المخبز وأنذرونى بأن أغلقه خلال يومين أو اقتل. بعد انصرافهم راجعت مركز الشرطة القريب حيث سجلوا لى الدعوى ووعدونى بالتحقيق فى الأمر. غادرتهم وانطباعى عنهم انهم لن يعملوا شيئا، لا لأنهم لايريدون ولكن لعدم استطاعتهم عمل شيء دون المجازفة بحياتهم.
مضى اسبوع دون حادث يذكر. أصبح نومى متقطعا بسبب القلق الشديد الذى كان يسيطر علي من خوفى على عائلتى. وفى أحد الأيام اوصلت الأطفال الى مدرستهم وذهبت الى المخبز حيث وجدت الشارع مغلقا من قبل الشرطة وبباب المخبز جثتي العاملين والى جانبها جثث نساء وأطفال ولم تزل الدماء تسيل منهم، ووجدت كل شيء محطما نتيجة رمي شديد بالرصاص. كدت ان انهار وخارت قواي وأوصلنى بعضهم الى بيتى.
بقيت عدة أيام لا اغادر البيت الا لماما واضطرارا. بدأت النقود التى وفرتها، على قلتها، بالذوبان، وقررت ان أبحث عن عمل، اي عمل نقتات منه.
وبعد جهد جهيد حصلت على عمل مساعد فى مختبر طبي لقاء أجر زهيد. وقبل انصرام شهر على عملى فى
المختبر وجدت فى صبيحة أحد الأيام ورقة ملصقة على باب الدار تنذرنى بالمغادرة خلال اسبوع. ووجدت ان الانذار موجه ليس لي فقط وانما لمعظم سكان البيوت فى تلك المنطقة.
اظلمت الدنيا فى عيني وكدت اسقط على الأرض، وتساءلت مع نفسى: رباه ماذا جنيت حتى تحل بى كل هذه المصائب؟ علمتنى الخبرة ان هؤلاء القوم لا يهزلون وان علي العمل بسرعة. أقترحت علي زوجتى ان نذهب للسكن مؤقتا مع اهلها الساكنين فى مدينة صغيرة تبعد حوالى المائة كيلومتر عن بغداد.
توكلنا على الله واستأجرنا سيارة وأخذنا معنا كل ما نستطيع. وصلنا البيت وفوجئنا بأنه على صغره يغص بأربعة من أخوات زوجتى وعوائلهن وقد هجرن من بغداد ايضا. البيت على الطراز الشرقي ويشتمل على غرفتين وطارمة وحمام واحد، أصبح عدد سكانه 21 شخصا. لم اتمالك نفسى وانزويت جانبا وانهمرت دموعى دون ان اشعر. هل يمكن تصور حالنا وما صرنا عليه؟ وفى اليوم التالى علمت بأن الحكومة قد نصبت خيما للمهجرين، وأسرعت للحصول على خيمة ولكنى حصلت على خيمة تشاركنى فيها عائلة اخرى سبقتنى اليها. وجدت ان المخيمات قد نصبت على عجل ولا يوجد فيها مرافق صحية او حمامات او مواسير ماء.وفى المساء وزع علينا بعض الخبز وجلب لنا بعض الخيرين بضعة قنانى من الماء العكر. وضعت رأسى على الوسادة وحاولت عبثا ان أنام بالرغم من الاعياء الشديد الذى أصابنى فقررت ان أكتب هذه الرسالة على ضوء الفانوس الخافت الذى تهافتت عليه الحشرات. كانت ليلة ليلاء مليئة بضجيج قصف متقطع وبكاء أطفال لا يكاد ينقطع. وما كادت عيناي ان تغفيا حتى انطلق صوت المؤذن يدعوا الى الصلاة.

الارهابي المسكين

كان بشرا مثلى ومثلك، ولكنه لم ينل اي حظ من التعليم بسبب جهل والديه وفقرهما، وعدم وجود دولة تأخذ بيده ليصبح انسانا سويا يفيد نفسه وعائلته وبلده. قتل أبوه فى الحرب فى شمال العراق وهو لم يتعد سن الطفولة بعد، وكفله خاله. ومنذ ان بدأ بفهم الكلام والمحادثة بين الكبار والتحدث مع أترابه وهو يسمع عن حروب واقتتال وسجون وتعذيب ومعتقلات.
كان لا يدرك ما يجرى حوله ولا يفهم سببا له. وفى أحد الأيام سقط صاروخ له دوي مرعب على مصنع قرب القرية التى كان يسكنها، ، واشتعلت النيران لبضعة أيام انقطع خلالها الماء والكهرباء، وتوقف ورود الخضراوات وغيرها من الأطعمة الى القرية، ولم تكن عائلته تملك (ثلاجة) او صندوق ثلج بدائي، ولم تكن العوائل فى تلك القرية متعودة على خزن الأطعمة، بل يذهبون كل صباح الى السوق لشراء حاجياتهم.
استدعي خاله للخدمة العسكرية، فأرسلته امه الى المدينة القريبة لعله يحصل على عمل، وهو لم بتعدى الثالثة عشر عاما من العمر، وعاد فى اليوم الأول يجرجر اثواب الفشل. حاولمرة اخرى واخرى حتى حصل أخيرا على عمل فراش فى مكتب صغير. وفرحت الأم وبدأت تهيء وجبة طعام له ولها ولأخته الصغيرة. كان يسمع عن الحاكم فى بغداد الذى يطلق عليه اسم عمو صدام، وعن مكارمه لأبناء شعبه، بتخصيص دجاجة لكل عائلة فى ذكرى مولده، و الصبي يتمنى لو ان (عمو صدام) يزورهم ليطلب منه المزيد. ومضت الأيام متثاقلة، وبدأت احاديث تدور بين اهل القرية من ان (أمريكا) ستهاجم العراق وان القائد الضرورة البطل المناضل عمو صدام سيرد الغزاة على أعقابهم فاشلين.
وبعد منتصف ليلة من الليالى استيقظ من نومه فزعا مرعوبا على أصوات انفجارات مدوية، وطائرات تخترق حاجز الصوت، واصوات الصفارات تصم الآذان، والناس يتراكضون على غير هدى. بزغ الفجر ولم يسمع سكان القرية أذان الفجر المعتاد من جامع القرية الصغير، ولكن الفتى و بعض سكان القرية هرعوا اليه لاستطلاع آخر الأخبار، وكانت متضاربة لم يفهم منها شيئا. أغلق المكتب الذى يعمل فيه أبوابه ، وجاعت العائلة مرة أخرى ونفد كل ماعندها من مئونة ونقود. قالت له امه انها ستذهب مع ابنتها للعيش مع اقاربها وان عليه تدبير امره.
مرت شهور وهو يتنقل من عمل الى عمل لا يكاد يسد رمقه. سمع عن أشخاص قد يهيئون له عملا، والتقى بهم فى الجامع الصغير. أخذته الرهبة عندما قابلهم اول مرة.
كانوا ملتحين متجهمى الوجوه. قالوا له انهم يرحبون به مجاهدا ضد الاحتلال وأعوانه، وانهم سيدفعون له خمسين دولارا شهريا اثناء فترة التدريب، وبعد ذلك سيمنحونه أكثر وحسب نوع الجهاد الذى سيكلفونه به. لم يجد بدا من القبول فقد كاد الجوع ان يقتله. شجعه قولهم انه اذا مااستشهد سيجد نفسه فى الجنة ويتناول وجبة طعام مع الرسول وتخصص له 72 حورية. وفى منتصف احد الليالى أيقظوه من نومه وسلموه بندقية وقالوا له انهم سيكمنون لمجموعة من الجنود الأعداء. لاحت اشباح الأعداء وهم يقتربون منهم فانقضوا عليهم، وفوجىء المجاهدون بكثرة الأعداء فأطلقوا سيقانهم للريح وهو معهم. وشعر كان حجرا كبيرا قد ضربه من الجانب فألقاه على الأرض والدماء تنزف من فخذه بغزارة، وفقد وعيه لساعات طويلة. فتح عينيه، وبدأ ادراكه يعوداليه شيئا فشيئا. كان الهدوء سائدا لا يعكره سوى شقشقة العصافير فظن انه فى الجنة، جاهد ليجلس فوجد حوله جثث بعضها ممزقة تحيطها برك الدماء ويحوم عليها الذباب ، ولم يجد لاطعاما ولا شرابا ولا حوريات، فأغمي عليه مرة أخرى ولم يستيقظ بعدها.

la_fontaine25
17-07-2007, 06:00 PM
شكرا جزيلا .. و أرجو المزيد و المزيد .. فلقد احسنتي الاختيار .. أعجبتني هاتان القصتان كثيرا ..
إلى الأمام دائما .. و ارجو المزيد و المزيد

del piero_10
18-07-2007, 01:31 AM
مشكور أخويا علي القصتان الطويلتان

رجاوى الشوق
18-07-2007, 09:53 AM
مشكوره اختى على القصتين

الله يعطيكي العافية